الأحد، 16 أغسطس، 2015

الأختيار

إذا أفترضنا أن شخصاً عادياً وقع فى حيرة من أمرهِ فى موقف ما ، و بالتأكيد لا بد له أن يختار أحد الخياريين وإلا يُصبح عديم الجدوى ويتم تجاوزه كفرد .
ولكى يختار أحد الأختيارات يجب أن يكون هذا الأختيار مؤسس إما عقلى \ لا عقلى ، فالكى أختار يجب أن أكون قد أسست رأي على قاعدة ثابتة سواء كانت تلك القاعدة توضح \ مزايا خيارى أم لا ؟
ولنفترض أن هذا الشخص هو موقفه الأول الذى قد خيّر فيه أن يختار فعند اختياره فهو قد اختار بناءً على قاعدة ، و تلك القاعدة قد أسست فى ذلك الموقف الأول ويمكن لذلك الشخص أن يتخذ من تلك القاعدة ، قاعدة دائمة فى اختيار كل افعاله .
لكن مالذى حدث عندما وقع فى حيرة من أمره ؟!
الذى حدث هى عملية انفتاح على ذاته بكليتها لكى يستطيع أن يرى أساليب الاختيار الممكنه ، هل يختار على أساس عقلى أم لا عقلى ؟ فالاختيار هو الذى يجعل منه فاعلاً أو ذاتاً فاعله ، و النقطة التى أود ان اسهب فيها هى منطقة الاختيار .
أنا اختار لكى تسير أمورى فبدون أن اختار لن تسير امورى كما أريد - فى احسن الاحوال - فالاختيار هو الذى يمنح لحياتى سيرورتها و بدون أن اختار لن يكون لى وجود اصلاً ، و الاختيار يكون فعلاً و الفعل يجعلك تتحرك إلى الأمام و من ثم تسير حياتك ، و الاختيار هو عملية جوانية تؤثر عليه عوامل خارجية بالضرورة . و يكمننا القول من هذا  ان السيرورة هى مجموع أختيارات البشر  .
عملية الانفتاح على الذات و أساس الأختيار :
فى تلك الحالة من الأنفتاح أو حالة التبصر الذاتى ينكشف للأنسان جزء مهم من نفسه \ ذاته ، ينكشف له الخيار العقلى و اللاعقلى كلاً منهم يجذبه نحوه وهو له حق فى أن يختار ما يشاء بينهم ، هو ملكٌ على نفسه يرى أن هناك عملية ديالكتيكية فى نفسه كل طرف يحاول أن يجذبه إليه ، و بدون تلك الحالة الجدلية لن يصنف ككائن بشرى ، فالروبوت مصمم على تنفيذ ما يُطلب منه حتى إن تم تطويره فهو خاضع لما تم برمجته عليه ولا يستطيع أن يتجاوزه .
لكن ما هو العقلى و اللاعقلى ؟!
و يمكننا تعريف العقلى : ما توافق مع أفكارنا المُؤَسِسه لحياتنا التى بدورها تكون قد ثبُتَ صحتها منطقياً ، و يمكن تلك الافكار المؤِسسه أن تتغير اذا ثبُتَ خطأئها و تُستبدل .
اما اللاعقلى : هو النداء الذى ينادى من أعماقنا لكى نتبعهُ إلى مخالفة (الافكار المُؤَسسه )لحياتنا وفى بعض الأحيان يكون اللاعقلى هو ما يثبت صحته لأن فى بعض الأحيان تكون (الافكار المُؤَسسه) خاطئه .
لماذا نثق دائما  الخيار العقلى ؟!
أو لماذا نعتبر أن الحل العقلىّ هو الحل الامثل ؟
لأن الخيار العقلى فى أكثر الأحيان يكون هو الحل الذى يجعلنا نصل الى مبتغانا أو هو استقراء قائم على كثرة المرات التى أوصلنا العقل الى مبتغانا ولكن هذا لا يجعلنا نثق فيه ثقة مُطلقه .
لكن نحن افترضنا أن ذلك الشخص ليس لديه تجارب سابقه فسيكون اختياره سواء للعقلى \ للاعقلى قائم على محض الحظ ليس لديه تجربة سابقة على صدق العقل ولا هو قد اتبع قبل ذلك النداء اللاعقلى فستكون العملية خاضعة للهوى أو الصدفة .
إذن يمكننا القول أن الخيار العقلى يكون على أساس لا عقلى ولكن هو طريقة فى أغلب الوقت تكون صحيحة ولكن لا يجب نقد المقولات المؤَسسة و تمحيصها جيداً ، اما الخيار اللاعقلى أو تتبع الندا هو يكون مُريحاً فى بعض الاحيان ولكن فى آخرى يكون داعياً للسكون و الخمول و يصل بنا فى النهاية الى عدم الاختيار أو عدم الوجود من الأساس .

الأحد، 2 أغسطس، 2015

اسكنشايزر


ما المشترك بين التصوف و المادية ؟ هل هما ضدان حقاً مثلما هو معروف لدى بعض الأوساط الثقافية أن يبدأ الشخص مادى ثم يتحول الى التصوف بوصفه الهداية الاخيرة أو العكس أن يبدأ بالتصوف وينتهى بالمادية بوصفها أفول للميتفزيقاً و أنتهاء دور الإله ؟!
من مُخالطتى للأوساط الصوفية الشعبية فأستطيع أن اعقد مقاربة بين التصوف و المادية ليس مقاربة لحل الإشكال بل لإثابت أن الرؤيتين متوافقتين فى أشياء عديدة .
يقول عبدالكريم الجيلى و قصيدة النادرات العينية :
 أسلمت نفسي حيث أسلمني الهوى *** و مـالـي عـن حـكـم الحبـيـب تنازعُ 
وكنت كآلات وأنت الذي بها * * * تصرف بالمقدور ما هو واقع            
فى اغلب الأشعار المتصوفه الكبار تصبُ دائماً فى خانة الحلول و الاتحاد ، وهى اتحاد المحب بالمحبوب حتى يحل المحبوب فى المحب ، ونراه فى شعر الحلاج واضحٌ جداً : إن قلتُ أنت فأننى انا انت ** أنت الذى اعنى و اقصد .....
اما فى الاتجاهات المادية فيمكن أن يستخدم احدهم ابيات الجيلى فى التدليل على ما يؤمن به مع تغيير كلمتين الهوى / الجينات ، فأنا لست ملكٌ لنفسى سأترك نفسى للهوى / الجينات ولن انازع كى احصل شئ مخالف لما  ُأريد فيمكننا ان نقول انها هى المُعادل للحلول و الأتحاد و يمكننا الايضاح بمزيد من الشرح عندما نقرأ البيت الثانى ، فأنا كاآلات والإله هو الذى يحركنى ما الفارق بين أن يكون الإله هو من يحركنى وبين أن تكون جيناتى أو بعض الأشياء الأخرى .

فنحن هنا أمام إله أخر وهو إله حلولى ايضاً ، لا تسطتيع أن تتملص من قبضته بل و يجب أن تنفذ صاغراً ما يُمليه عليك وهذا اذن الإله الذى حاولت المادية التملص منه مازال موجوداً و لكنه حلولى ، و لك أن تتخيل كم الجرائم التى يُمكن أن ترتكب من خلال هذا المفهوم .
فإذن فأنت فى كلا الحالتين مسلوب الإرادة ، يجب أن تطيع من يأمرك الطبيعة فى حالة المادية ، الهوى / الحب فى حالة التصوف . 
و يمكن تشبيه هذه الثنائية (تصوف / مادية ) بطفلان يتعاركان كل منهم مُصر على العناد مع الأخر كل منهم يقول عكس الأخر 
- يوجد  إله 
- لا يوجد إله 
- توجد روح 
- لا توجد غير المادة 
و هكذا كل منهم يُريد ان يُلغى جزء مهم من الانسان على حساب الآخر .
لنكمل ما بدأناه : نرى عند المتصوفه ان الحب هو بدئ الحياة " قيل كان الحب من قبل البشر " وهو اعتقاد راسخ عند كل المتصوفه  يتجلى فى اكثر من شكل لدى المتصوفية ، نجد على النقيض عند المادية التى تحاول ضحد كل من يُحاول ان يقول أن هناك شئ غير المادة فى البداية كل منهم يُريد توحيد مصدر الخلق أو النشوء . 
وكذلك فى المعرفة نجد أن المتصوفية يؤمنون  إيمان كامل بأن القلب مصدر المعرفة الأساسى ، أو مصدر قبل العقل فى المنزلة و وبالمثل عند الماديين يحاولون توحيد مصدر المعرفة ايضاً ليكون العقل .
وكذلك فى وجود رأي مسبق محاولة اثباته فعند المتصوفة هو بعض المجهادات لكى ليصل للاتحاد اما عند المادى فهو لديه رأي مسبق بأن لا يوجد غير المادة و منه ينطلق لكى يثبت صحة رأيه الذى يتحول الى معتقد .

وهنا لا ادعوا لعدم أخذ موقف مادى / متصوف كعقيدة لانه من الممكن فى يوم من الايام حل بعض المشاكل ولكن إن تم حلها لن يكون التصوف تصوف ولن يكون المادى هو مادى اليوم ، لك مطلق الحرية فى اختيار ما تشاء لكن لا تنطلق فى اختيارك لاتخاذ موقف لا لاجل شئ إلا لكى تُعارض تلك التى كنت عليها .